الرئيسية - تحليلات - الأحلام الملغومة في الاتفاق النووي الإيراني
د.سعيد الشهابي كاتب صحفي بحريني وهو الأمين العام لحركة أحرار البحرين و مقيم في لندن

الأحلام الملغومة في الاتفاق النووي الإيراني

عندما كشفت باكستان الستار عن مشروعها النووي في 1974 بادر الاعلام الغربي للحديث عما اسماه «القنبلة الاسلامية» للتخويف منها. كان ذلك في ذروة التوتر في العلاقات بين الهند وباكستان. يومها كان البلدان قد خاضا حربا واسعة قبل عامين ادت لانفصال بنغلاديش (التي كانت تسمى باكستان الشرقية) عن باكستان (كانت تسمى باكستان الغربية). الهند اقامت الدنيا بعد انتشار الانباء عن المشروع النووي الباكستاني، واصدرت تهديدات بضربه تواصلت عشرة اعوام، ولم تتوقف حتى بعد ان امتلكت باكس تان السلاح النووي. وكادت الهند بالتعاون مع «اسرائيل» شن عدوان جوي على مفاعل «كويتا» في الثمانينات.

وبرغم اختلاف الظروف والتحالفات والموضوع، فقد اثار توقيع الاتفاق النووي بين ايران والدول الكبرى الست الاسبوع الماضي اهتماما دوليا واقليميا. ومع ان العالم كله رحب بالاتفاق الذي يبدو انه وضع خطا فاصلا بين ايران والسلاح النووي، الا ان جهتين عارضتا توقيع الاتفاق: الكيان الاسرائيلي والمملكة العربية السعودية، لاسباب مختلفة. فـ «اسرائيل» شعرت بالتهديد لانها المرة الاولى منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران التي تتجه علاقات طهران بالعواصم الغربية خصوصا واشنطن نحو التصالح. فعلى مدى اكثر من عقود ثلاثة استفادت «اسرائيل» من توتر تلك العلاقات، وكان ذلك من بين دوافع الغربيين لتمتين العلاقات مع «اسرائيل» والدفاع عنها حتى عندما ترتكب جرائم ضد الشعب الفلسطيني.

وقد شنت القوات الاسرائيلية ثلاث حروب غير مشروعة بعد انسحابها المهين من جنوب لبنان في العام 2000 نتيجة ضربات المقاومة. فلم يكن هناك موقف غربي مبدئي ضد العدوان الاسرائيلي على لبنان في العام 2006 او عدوانها على غزة ما بين نهاية 2008 وبداية 2009 او اجتياحها العام الماضي قطاع غزة في حرب غاشمة استمرت اكثر من خمسين يوما. وساهم الموقف الغربي في حماية الكيان الاسرائيلي حتى عندما ارتكب جرائم حرب في تلك الحروب، فدافعت عنه بعد صدور تقرير الامم المتحدة حول مجزرة «قانا» في 2006، ولم تتخذ الدول الغربية حتى الآن اجراء حاسما ضد تل ابيب برغم فرضها حصارا على غزة ما يزال مستمرا.

كانت القطيعة بين الجمهورية الاسلامية والغرب موازية للرفض الايراني للاعتراف بالكيان الاسرائيلي ودعمها العلني لمجموعات المقاومة للاحتلال الاسرائيلي. ويمكن اعتبار الاتفاق النووي اساسا لاعادة العلاقات بين طهران وواشنطن، الامر الذي يقلق القادة الاسرائيليين لأنه يقلل من اهميتهم ودورهم. غير ان هذا الدور (حماية المصالح الامريكية في الشرق الاوسط) بدأ بالتلاشي منذ حرب الكويت في 1991 التي اعادت الوجود العسكري الامريكي الى المنطقة بقوة، فاصبحت الولايات المتحدة اقل حاجة للدور الاسرائيلي. وتصدر بنيامين نتنياهو موقف معارضة الاتفاق النووي وألمح مرارا لاحتمال شن عدوان عسكري على المنشآت النووية الايرانية، وحدثت مشادات مع واشنطن لم تخل من خصومة شخصية مع الرئيس اوباما برغم سعيه المتواصل لطمأنة الاسرائيليين بان الدبلوماسية الامريكية تستطيع احتواء الموقف، بينما اشعال حرب اخرى لن يكون لصالح الكيان الاسرائيلي.

مع ذلك تواصلت ضغوط تل أبيب على الغرب وايران طوال العامين اللذين استغرقتهما المفاوضات. ومن المؤكد ان الضغوط الاسرائيلية ساهمت في تعقيد موقف المفاوضين الدوليين وتأجيل توقيع الاتفاق مرارا. مع ذلك بقي نتنياهو معارضا توقيع الاتفاق حتى بعد اقراره الاسبوع الماضي. وما يزال ممتعضا لعدم نشوب حرب بين الغرب وايران. بينما استمرت ايران في سياسة ضبط النفس وعدم التسرع في القيام بردود فعل غاضبة ازاء التصرفات الاسرائيلية، ومنها اغتيال العديد من العلماء الايرانيين ذوي ا لصلة بالمشروع النووي. ولا شك ان الدبلوماسية الايرانية ذات النفس الطويل كان لها دور في تحجيم دوافع الحرب ومنع الغربيين من مسايرة نتنياهو.

برغم هذه الحقائق استمر الامريكيون في سياستهم القائمة على التحالف مع كل من «اسرائيل» والسعودية، بهدف مواجهة النفوذ الايراني في المنطقة. وبقيت حالة فحص النوايا بين الطرفين عشرة اعوام اخرى (ما بين حرب الخليج الثانية في الكويت وبروز قضية المشروع النووي الايراني في 2003). وهنا بدأت حقبة التراشق الدبلوماسي بين العواصم الغربية وطهران، متزامنة مع الحرب الثالثة التي اسقطت نظام صدام حسين. وربما دفعت تجربة الامريكيين في العراق، ثم ملحمة الربيع العربي وما اعقبها من انتكاسات امنية وسياسية لاعادة النظر في سياستهم ازاء التحالفات في الشرق الاوسط. ومع مبدأ الحفاظ على التفوق العسكري الاسرائيلي فان تطوير العلاقات مع ايران لن يؤثر، في نظر واشنطن، على التوازن العسكري في المنطقة، بل ربما ساهم في توطيد اركان الامن واحدث توازنا سياسيا وامنيا بين ضفتي الخليج. والامريكيون.

يضاف الى ذلك انه مهما قيل عن باراك اوباما وان المؤسسة الامريكية هي التي تملي سياساتها وليس الرئيس وحده، فان شخصية الرئيس لها اثرها. ويلاحظ ان اوباما سعى لتغيير صورة امريكا لدى شعوب العالم، بالابتعاد عن سياسة استعراض القوة واستخدمها بدون حساب. وفي عهده جاءت الانسحابات من العراق وافغانستان، وكان التدخل في ليبيا محدودا. واستطاع اوباما كذلك اعادة العلاقات مع كوبا بعد اكثر من خمسين عاما من القطيعة، الامر الذي لا يمكن التقليل من شأنه. واستطاع كذلك احتواء النزعة الاسرائيلية نحو الحرب وسعيها لاستهداف ايران عسكريا، على امل ان يؤدي ذلك لاعادة العلاقات مع ايران بعد قطيعة استمرت 36 عاما. فما الذي حققته ايران من الاتفاق؟

منذ ظهور ازمة المشروع النووي الايراني كانت طهران تصر على امور عديدة: اولها تفادي الحرب مع اي طرف باي ثمن، لأن تجربة الحرب مع العراق التي استمرت ثماني سنوات كشفت الجوانب البشعة للنزاعات المسلحة وآثارها البعيدة المدى وتدميرها البنى التحتية والحيلولة دون تنفيذ برامج التنمية والبناء. ثانيها: حماية السيادة الايرانية على المنشآت النووية والمواقع العسكرية وعدم المساومة على ذلك المبدأ. ثالثها: المرونة في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وذلك بالسماح لمفتشيها يزيارة المواقع النووية ضمن ما تسمح به السيادة ولا يمثل خرقا للحقوق العسكرية المشروعة. رابعها: السعي لتبديد الاوهام الغربية بانها متوجهة لانتاج اسلحة نووية، تارة عبر السماح للمفتشين الدوليين، واخرى بالسماح لهم بالتواصل مع علماء الذرة الايرانيين، وثالثة بدعم دعاواها بفتاوى ومواقف دينية. خامسها: الاصرار على حقها في امتلاك دورة نووية كاملة، بما فيها حقها في التخصيب لتوفير احتياجات المفاعلات النووية من اليورانيوم المخصب بنسب تتراوح بين 3 و5 بالمائة. سادسا: ضمان رفع العقوبات الاقتصادية التي كان لها اثر سلبي كبير على الاقتصاد الايراني. سابعا: تطوير مصدر بديل للطاقة بدلا من الاعتماد على النفط، كضرورة تقتضيها سياسات التنمية والبناء.

ويبدو ان ايران حققت الكثير من هذه الاهداف، بالاضافة لاعتراف العالم بها كدولة نووية. اما السلاح النووي فلا يبدو انه اولوية للقادة الايرانيين في الوقت الحاضر. ايا كان الامر يحق لايران ان تفخر بقدرتها على التفاوض والمناورة وعدم الانشغال بقضايا الحرب والتوتر، او التخلي عن القيم والمبادىء الاساسية للثورة والدولة. وستكشف الفترة المقبلة مدى قدرة الاطراف المعنية على تنفيذ بنود الاتفاق، ضمن بنوده وروحه، بعيدا عن المماحكات واساليب تصفية الحساب. طهران تبدو واثقة خصوصا مع فتح الباب لزيارات الزعماء الغربيين مثل انجيلا ميركل وديفيد كاميرون. مع ذلك سيظل الحذر سيد الموقف في العواصم السبع، تحسبا لاي طارىء في طريق تنفيذ الاتفاق، يفتح الباب للتشكيك في النوايا والممارسات.

الفجر الجديد الذي اطل على المنطقة يجب ان لا تحجبه سحب الخلاف والاختلاف حول التفصيلات المملة، او الحسابات الايديولوجية غير الضرورية. هذا ما تتطلع طهران اليه وما وعدت به جيرانها، بعيدا عن حسابات الدول الست الكبرى.

د. سعيد الشهابي
القدس العربي

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

شاركها مع أصدقائك