النشرةمقالاتوما قتلوه

خاص| الشيخ الشهيد نمر النمر.. نورٌ أضاء مسار الشباب

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

من رحم مجتمعٍ يرزح تحت وطأة سياسات آل سعود الظلامية، ولد الشيخ الشهيد نمر باقر النمر لينير مسار الشعوب المضطهدة على مختلف انتماءاتها المذهبيّة، وليحرّر العزائم التي كبّلتها أيادي البطش السعودية منذ سنوات طويلة. مسارٌ لم يكن ليتعبّد إلا بتضحيات المجاهدين الذين نزعوا من قلوبهم رهبة المواجهة فتهافتوا إلى الساحات والميادين الثقافية والإجتماعية معلنين الرفض لسياسات آل سعود.

عندما جمع الشيخ النمر حزمة علومه وخبراته المتراكمة على مدى سنوات طوال من الدراسات الأكاديمية والحوزوية، مضى للتموضع في كنف أهاليه المحرومين، شاهراً كلمة الحق في وجه سلاطين الظلم والجور، دون أن يخشى في الله لومة لائم، حينها قوبل بالرفض من بعض الناس فيما فضّل آخرون الحياد، في حين برز من الناس من التفّوا حوله وآمنوا به، وساروا معه جنباً إلى جانب في ساحات الجهاد الديني والثقافي والإجتماعي والسياسي.. آزرهم وآزروه، رافقهم ورافقوه، جُرحوا برصاص الغدر، فضمّد جراحهم بدفعٍ مذهلٍ من الإقدام، استشهدوا بين يديه فرمى دماءهم نحو السماء وكأنه يقول “غداً ملتقانا في الجنة يا رفاق الدرب”.. لقد تجلّت أقل مقامات بسالته (بالقدر الذي تسنّى لنا معرفته) في الإصرار على مواصلة العمل الجهادي رغم المطاردات والتهديدات اليومية التي كان يتلقاها من قبل السلطات، وفي معاندة مصاعب الأسر لسنوات دون أن يتنازل عن ذرّةٍ من مبادئه وقيمه، حتى اكتملت تضحياته الجسام بالتحاق روحه المباركة في ركاب الشهداء.

بدا لافتاً أن معظم من رافقوا الشيخ النمر في مسيرته المباركة، هم من فئة الشباب.. نساءاً ورجالاً على حدٍّ سواء، وليس في الأمر حرج لو قلنا أن السبب في ذاك الحماس الذي بدا على الشباب هو اللين الفكري الأكثر تقبلاً للتغيير والأكثر سهولة في انتزاع المعتقدات والتقاليد البالية، وفي نفس الوقت تنعّم الشباب بالإقتدار المعنوي والبنيوي والمقدرة على تحمّل الصعاب والتحديات أكثر من فئات المجتمع الأخرى. مع العلم أن سماحة الشيخ بذل محاولات عديدة لجذب مجايليه لكن العقلية التقليدية قد حالت دون التطلّعات المنشودة.

لقد أخذ الشيخ الشهيد، يحفر طريق الشباب ليضعهم على سكّة إصلاح النفس، وليس مبالغاً إن قلنا أن سماحته كان يزرع جذور التغيير في أعماقهم آبياً أن يكونوا بمرتبة أقل من ثوريين. هي تربيةٌ حسينية أصيلة، انطلقت من صلب المساجد والحسينيات والجلسات الثقافية، في الوقت الذي مارس فيه آل سعود شتى أشكال الترهيب ليشتتوا جمعهم ويفرقوا شملهم.. لكنه الشيخ الشهيد مضى حاملاً شعلة حراكه وأعطى كل ما لديه لتربية تلك الأجيال الصاعدة ولصناعة الطاقات، في أوساطٍ كل ما فيها يدعو للإحباط والهزيمة. فعلى سبيل المثال أعاد إحياء الدور الفاعل للمساجد بما فيها جامع الإمام الحسين (ع) بحي الزارة في العوامية، بعد أن كان مهجوراً، ليصبح بعد ذلك متميزاً بالأنشطة والفعاليات. كما حرص سماحته على إقامة جميع الفرائض في المساجد بما فيها صلاة الفجر، فقوبلت توجيهاته بتجاوب شريحة كبيرة من المجتمع على صلاة الجماعة لا سيما فئة الشباب.

كانت إستراتيجية الشيخ النمر في هذا الإطار، تقوم على تثقيف وتعليم الشباب وتطوير قدراتهم، إذ أولى سماحته عنايةً خاصة في جيل الشباب، لا سيما عبر إصداره قرابة 30 عدداً من نشرة “الشباب والشبائب” والتي كان يكتبها بنفسه كاملة، متناولاً فيها مختلف القضايا الدينية والثقافية والسلوكية والإجتماعية بطريقة معاصرة وجذابة، هذا عدا عن مقالاته العديدة والمتنوعة التي كانت تنشر في المجلات ومواقع الإنترنت، الخطب المنبرية، الجلسات التثقيفية، والندوات والتي تميزت جميعها بالطروحات الجديدة والجريئة وأيضاً بالإنتشار اللافت بين جميع شرائح المجتمع وحتى خارجه.

وفي المنحى الثوري، حرّض الشيخ النمر الشباب للوقوف في وجه الظلم، مشدداً على أن يكونوا عراة الصدور أمام سلطات الغدر إلا من إيمانهم بحقوقهم، وأن تكن أيديهم خالية إلا من مطالبهم. كما حثّ سماحته كل شخص على تحصيل حريته السياسية سيما في ممارسة حقه بإنتقاد الآخرين والإختلاف معهم وتكوين آراء سياسية ورفض الظلم على كافة أشكاله بغض النظر عن طائفة الظالم أو مركزه الإجتماعي على أن يتم كل ذلك بسلمية مطلقة محذّراً مرات ومرات من استخدام العنف في التعبير، كي لا تتخذ سلطات آل سعود من ذلك ذريعةً فتأخذ الأمور إلى اقتتال داخلي.

أما في الجانب الإجتماعي، فقد سعى سماحة الشيخ الشهيد في تسهيل زواج العزاب والعازبات، بالتوعية على تقليل تكاليف الزواج والمهر لتخطي العقبات المالية في موضوع التزويج. وأيضاً شجّع الشباب على الذهاب للحج والعمرة، إذ أسّس أول حملة خيرية بخدمات جيدة، وذلك في الوقت الذي كان سائداً أن لا يعزم الفرد على الحج إلا بعد أن يصبح كهلاً، ولعل هذا من التقاليد والأفكار البالية المنتشرة في المجتمع دون أي مبرر ديني أو عقلي والتي عمل الشيخ النمر أيضاً على مواجتها والتصدّي لها في مختلف خطبه وجلساته وكتاباته.

قد يكون عمر الشيخ الشهيد الذي اختطفه آل سعود في أوجِ عطائه وبهائه، حال من رؤيته لزرعه ينمو مع الأيام، لكنها بذوره الخيّرة ها هي تنتشر في القطيف المقاوم، بين أجيال من الشباب أدركوا النور فتبعوه، سمعوا نداء الحق فاستجابوا له متشبثين بكل ما يرتبط به وما يوصلهم إليه.. يسلكون جميع الطرق الوعرة.. يخاطرون بأنفسهم.. فكلمات الشيخ الشهيد لا زالت تتردّد في أذهانهم.. وها هم يقومون.. يثورون.. ثم يلتحقون به.. فهو النور.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى