النشرةتقاريروما قتلوه

خاص | العلم النافع في أدبيّات الشيخ النمر

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

لم يجد الشيخ الشهيد نمر النمر للعلم أهمية في الحياة فحسب، إنما اعتبرها ركن أساسي من أركان بناء الذات الإنسانية ومن ثم بناء الحضارات. كان متيّقناً من أن نهل العلوم هو أول خطوات العبور نحو النور الذي يخلّص الناس من ظلمات الجهل والقهر، شريطة أن لا يرتهن هذا العلم للنفس البشرية بل أن يتم تطويع هذه النفس في سبيل إدارة وتحقيق أهداف العلوم والمعارف المكتسبة في أقصى درجات الإرتقاء.

إن مواجهة هوى النفس خطوة متأصّلة في كل سير مخلص إلى الله، ذلك أن العدالة والإرتهان للنفس البشرية لا يمكن أن يجتمعان لإن هذه النفس بطبيعتها ميّالة نحو التسلّط والإستكبار. وعليه قبل أن ينطلق الإنسان في رحلة اكتساب العلوم يجب أن يتواضع للحق وأن يحارب هوى نفسه فإن انتصر عليه انتصر تلقائياً على أعدائه، وإن غلبه هواه غلبَه أعداءه لا محالة. إذ لا يمكن أن يدحر الطغاة من دحرته نفسه. وفي هذا السياق يقول سماحة الشيخ النمر: “بالعقل يمتاز الإنسان عن بقيّة البشر. وبقدر ما يملك من عقل بقدر ما يكون أفضل ليرتقي بهذا العقل إلى درجات العلا. التواضع للحق هو مركز تنمية العقل. فالبوابة الأساسية التي ينطلق منها الإنسان هي تنمية عقله للتواضع للحق. أصل مشكلة البشرية هي الإستكبار واتباع الهوى فالإنسان إما أن ينقاد إلى أصله أو ينقاد إلى هواه. الأول لا يمكن للطغاة أن يتمكنوا منه. أما من ينقاد لهواه فيكون ضعيفاً”.

اللافت في أدبيّات الشيخ النمر أنه ربط بين نيل العلوم وبين السمات الأخلاقية والدينية، كتزكية النفس أي أن يربّي الإنسان نفسه على تقوى الله وطاعته، حتى لا تتجرّأ عليه ولا على أحدٍ من عباده. إذ يورد آية الله النمر أنه قد لا ينتفع عالم من العلماء من علومه إذ لم يعمل على تزكية نفسه لإن هذا العلم سيصب في مصلحته الشخصية لا في مصلحة جميع أفراد المجتمع وبالتالي يخالف مراد الله. ومن المقاطع الصوتية الشهيرة للشيخ النمر في حديثه عن العلوم هو ما جاء في خطبته التالية: “إذا كان حاكم دولة ما عادلاً ولا يظلم فإن نفسه تكون مزكّاة ويخاف الله وبالتالي لا يمكن أن يظلم. وأيضاً العالم الذي يمتلك موسوعة من العلوم لا يمكن أن يخدع الناس إذا زكّى نفسه. لأن علمه بالنفس المزكاة يردعه عن خداع الناس. المشروع الحقيقي هو بناء الإنسان وركيزة هذا البناء بتزكية النفس. عدوكم الأول أنفسكم إذا قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر وإن عجزتم عنها كنتم غن غيرها أعجز. إن النفس لأمارة بالسوء. النفس هي أساس البلاء تسفك الدماء وتسفد في الأرض. فكيف نعالجها إنما بتزكية النفس والتقوى”.

لقد ساوى الشيخ الشهيد العلم بالإيمان أيضاً، معتبراً أنهما ملازمان لبعضهما البعض، فلا إيمانٌ بدون علم ولا علمٌ مكتملٌ بدون إيمان. بل كلاهما ينهلان من فضائل بعضهما البعض، حتى يصبّان معاً في المجرى الصحيح دون انحراف أحدهما، ولذلك لم يكن بعيداً عن الشيخ المجاهد أن يصفهما بالسلاح الفعّال في صراع الحق مع الباطل، إذ اعتبر أن “من يملك الإيمان والعلم ينتصر. ومن يفقد أحدهما يعرّض نفسه للهزيمة”، الإيمان المتخلّف عن العلم هو إيمان ساذج لا يمتلك مقومات الإنتصار بحسب اعتبار الشيخ أما “العلم المتخلف عن الإيمان فهو علمٌ جاهلي يفتك بالبشرية ويدمرها فالإيمان وحده غير كاف لإعمار الأرض ولا العلم وحده كاف للإنتصار وإعمار الأرض وسعادة البشر”.

تطرّق سماحته في الحديث عن مزايا العلم وأهميّته إلى جانب قلّما يتم الإشارة له أو بالأحرى يتم تعتيمه وتضليله وهو أن أصل وجود الدين على هذه الأرض هو العقل، فالله تعالى أوكل أنبيائه مهام نشر الرسالة بالبيّنة والدليل أي بإثارة العقل. وهذا التفكّر هو السبيل إلى إدراك الله وإلى الإيمان بالرسالة السماوية وإلى تشكيل العقيدة السليمة. وقد انطلق سماحته في هذا الإطار من طريقة التفكير التي اعتبر أنها الأساس الذي يحدد الفكرة المقبولة من المرفوضة، وهي المسؤولة عن صياغة شخصية الإنسان في فكره وعمله في معتقده وسلوكه وفي رؤاه وتفكيره. حتى خلص للقول أن “العقل هو الأساس لإختيار العقيدة السليمة الصحيحة من العقيدة السقيمة الباطلة، فالعقل أصل ديني بل الوحي النازل من السماء لا يكتمل إلا بالعقل. ولذلك مهمة الأنبياء الأولى لإنجاح تبليغ الرسالة هو إثارة العقل. لأن العقلاء هم الذين يقبلون الحقائق الجلية الواضحة. وهذه حقيقة لا غبار عليها الا أن غيبوبة العقل يمنع الإنسان من رؤية الحقيقة وقبولها ولذلك إثارة العقل مسألة أساسية لإبلاغ الرسالة السماوية. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.

ولذلك، بعد أن يشرع الإنسان إلى التعلّم والتفكّر في خلق الله، وفي مختلف القضايا المعاصرة التي تحيط به، مع حرصه على الإلتزام بالقيم الدينية والأخلاقية كالتواضع وتزكية النفس ومحاربة الهوى، فإنه بذلك يبني نفسه. وعندما يوظّف هذه الملكات الثقافية والعلمية في مجتمعه ومحيطه وبذلك الزخم الإنساني والأخلاقي فإنه ينطلق في بناء الحضارة، حيث أنه “لا يمكن أن تبنى حضارة إلا على أساس العلم لأن الإنسان دون سواه أُعطي تلك السّعة من العلم ولذا جعله الله خليفة له على هذه الأرض كي يعمّرها بالإيمان وببناء الحضارة فالدين يتوقّف على الحضارة”، بحسب الشيخ الفقيه الذي نبّه في هذا السياق من أن يقتصر العلم على نيل الشهادة الجامعية ولاحقاً الوظيفة لأن أفق العلوم أوسع من ذلك بكثير شريطة أن يعلم الإنسام لماذا يتعلم وهو ما تجسّد في قوله هذا: “البعض يعتقد أن العلم شيء ثانوي لنيل الشهادة ثم التوظيف وعلى ضوء هذه الفكرة الخاطئة. يتفرّع الكثير من الأخطاء والكثير من الضعف. إذ ننسحب بسرعة لمجرد أن نواجه عثرات، لذا علينا أن ندرك لماذا نتعلم. إذا كان الجواب صحيحاً تتهاوى الكثير من الصعاب كما أن الإجابة الخاطئة قد تعرّض الطالب للتعثر عند مواجهة الصعوبات كالإحباط وما شابه. لذا يجب تحديد هدف طلب العلم. أن نعلم مثلاً أننا نتعلم من أحل نيل المعرفة ومن أجل اكتساب الخبرات والقدر الأكبر من للمعارف لخوض الحياة”.

ليس في الأمر مبالغة إن وصفت العلوم بمشعل الحريّة والإنتصارات الذي ينير دروب القهر والإستبداد. فمواجهة الطغاة وقوى الإستكبار العالمي يحتاج بدايةً إلى علم. العلم الذي يحرّرنا من قيود الجهل الذي يحكموننا بها، عبر تفرقة الشعوب وبثّ الشائعات وخلق الصراعات الوهمية. وحدها المعارف والإطلاعات المدعومة بقوّة إيمانية صلبة وبعقيدة سليمة هي من تمكّن الإنسان من فهم طبيعة المواجهة بينه وبين الطغاة والإستكباريين. وبها أيضاً يتعلّم سبل المواجهة سيما من خلال اقتفاء أثر الأولياء والصديقين لاستلهام ذات النهج وأيضاً من خلال التمعّن والتفكّر بكلام الله عزوجل الذي يعد قانوناً يحكم ويفصل في كافة مجالات الحياة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى