التحوّل في العلاقات السعودية السورية: من القطيعة إلى الإلتفاف

تحت مظلة “حماية المدنيين” توغّلت الرياض في دعم تنظيم “داعش” الإرهابي للإستثمار السياسي في الأزمة بإعتراف حلفائها الغربيين الذين سرّبوا عبر قنواتهم الإعلامية والحقوقية تورّط الرياض بإنشاء ونشر المتطرفين في مختلف دول المنطقة وبالأخص سوريا. وقد راوح العداء السعودي لسوريا حوالي عقد من الزمان حتى بدأت العلاقات تتخذ مساراً جديداً،،،

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

بعد عقد من القطيعة بين سوريا ودول الخليج، تشهد العلاقات السعودية السورية تحوّلاً لافتاً منذ عام ٢٠١٩ الماضي، إذ أخذت الأمور تنحرف نحو مسار إيجابي بدفع من الطرف السعودي وترحيب سوري. تحرّك الرياض كان متأخراً نوعاً ما، فقد سبقتها دول خليجية وعربية عديدة لمد الجسور مع النظام السوري بعد الإنتصارات العسكرية الإستراتيجية التي حققها الجيش العربي السوري والقوات الرديفة في مختلف أنحاء البلاد وبعد ضمور المشروع التكفيري وفرار جحافل الناجين من الإرهابيين إلى الخارج.

تعاملت السعودية المعروفة بإنتهاكها الصارخ لحقوق الإنسان مع سوريا كمحاضر في الحريات المدنية رغم وضوح ملامح المشروع التكفيري منذ بداية الأزمة السورية. ففي أغسطس/ آب 2011 استدعت سفيرها من سوريا ثم أغلقت في مارس/ آذار 2012، سفارتها في دمشق وسحبت جميع الدبلوماسيين والعاملين فيها. وقد جاءت هذه الخطوة بعد قرار الجامعة العربية الذي قضى بتعليق عضوية النظام السوري في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2011، وسحب السفراء من دمشق.

تحت مظلة “حماية المدنيين” توغّلت الرياض في دعم تنظيم “داعش” الإرهابي للإستثمار السياسي في الأزمة بإعتراف حلفائها الغربيين الذين سرّبوا عبر قنواتهم الإعلامية والحقوقية تورّط الرياض بإنشاء ونشر المتطرفين في مختلف دول المنطقة وبالأخص سوريا. وقد راوح العداء السعودي لسوريا حوالي عقد من الزمان حتى بدأت العلاقات تتخذ مساراً جديداً. في العام الماضي، شرعت الرياض في أعمال صيانة للسفارة السعودية، ما جعل مراقبون يتوقعون افتتاحها قريباً غير أن المسؤولين السعوديين لم يصرحوا حتى الآن بنية افتتاح السفارة على غرار ما فعلته الجارتين الإمارات والبحرين في ٢٠١٨، لكنهم في نفس الوقت لم ينفوا إمكانية افتتاحها عما قريب. وفي يناير/ كانون الثاني ٢٠٢٠ الحالي، شارك المندوب السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري في حفل أقامه عبد الله المعلمي مندوب السعودية لدى المنظمة الدولية في مبناها الرئيسي بنيويورك على شرف وزير الدولة السعودي فهد عبد الله المبارك بحسب صحيفة الوطن السورية. ما جعل أوساط دبلوماسية تتوقع تطبيع العلاقات السعودية السورية بشكل متدرّج.

التحوّل التدريجي

أما التقدم الملحوظ في مسار العلاقات بين دمشق والرياض ظهر في كلام مندوب السعودية لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، خلال حديث لقناة “روسيا اليوم”، في 10 يونيو/ حزيران الفائت، إذ أكد على إمكانية “عودة العلاقات بين الرياض ودمشق ببساطة، وفي أي يوم وأي لحظة” مبيناً شرطا بلاده لتحقيق هذا الأمر وهما “نهاية الأزمة السورية”، و”التوافق بين مكونات الشعب السوري على التوجهات المستقبلية في البلاد”، كما أشار إلى حتمية عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية “يوماً ما” بحسب تعبيره.

يأتي ذلك بعدما كانت السعودية ترفض رفضاً قاطعاً بقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم، فمن تصريحات المسؤولين السعوديين في هذا الصدد، تأكيد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عام ٢٠١٧ في العاصمة الروسية موسكو أن بلاده لا تزال تعتقد أن بشار الأسد ليس “له مستقبل في البلاد”. وبالعودة لشروط الحوار التي اقترحها المعلمي، يتضح التحوّل الطارئ في الخطاب السعودي تجاه دمشق، ذلك أن الرياض قبلت ضمناً بحل سياسي يشمل جميع الأطراف بما في ذلك الرئيس السوري، فضلاً عن أنها أهملت الشق المعني بالعلاقات السورية الإيرانية على خلاف السنوات الماضية التي بقيت فيها هذه العلاقة العميقة والمتينة عقدة الرياض منعاً للوثوب نحو أي حل سياسي في ظل وجود طهران لاعب رئيسي في سوريا.

يمكن تفسير الموقف السعودي الحالي من روسيا بالنظر للاعبين الأميركي والروسي على الأراضي السورية، مع التيقّن أن هامش الحركة الذي قامت به الرياض ولد بدفع روسي بالدرجة الأولى، فمن مصلحة موسكو أن تتحلحل علاقات سوريا مع مختلف الدول العربية لتيسير التنسيق مع قوى إقليمية في الشرق الأوسط من بينها إيران والسعودية وتركيا ومصر. ومن جهة أخرى استغلال عودة علاقات دمشق العربية لإعادة إعمار سوريا بالنظر إلى أن الدول الغربية ليس لديها أي نوايا جدية لتقديم الأموال لسوريا فيما تعاني روسيا من أزمات مالية. هذا بالنسبة لروسيا، أما بالنسبة للسعودية فلديها حساباتها الخاصة أيضاً التي ألزمتها بقراءة المشهد السوري بواقعية.

بدايةً كانت خطة الرياض إبعاد سوريا عن إيران، ولكن بفعل الضغط الروسي وإدراكها عمق العلاقات السورية الإيرانية حاولت الإلتفاف على هذه العلاقة بمغازلة دمشق على غرار ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع شخصيات عراقية أمثال مقتدى الصدر وعمار الحكيم ولاحقاً حيدر العبادي لإبعادهم عن طهران، لكن هشاشة الخطة السعودية لم تقف بوجه الرئيس السوري فمضى قدماً صوب إيران. توازياً أدت العملية العسكرية التي شنّتها القوات التركية شمال شرق سوريا في أكتوبر/ تشرين الأول من العام المنصرم، إلى تخوّف الرياض من التوغّل التركي في سوريا، فبدت السعودية أكثر مرونة من أي وقت مضى، بل ذهبت أبعد من ذلك لتجاري تصريحات قادة دول خليجية عدّة ناشدوا بضرورة ما وصفوه بعودة سوريا إلى الحضن العربي ثم جاءت التسوية الروسية التي تستبعد الدول الخليجية بالكامل بما فيها السعودية ما جعل الأخيرة تنهمك بإستدراك الوضع في محاولة بائسة لإستعادة وجودها في سوريا.

جعجعة بدون طحين

لكن رغم الليونة الإعلامية التي أبدتها الرياض تجاه دمشق إلا أنه لم يلاحظ أي تقدم حقيقي على أرض الواقع في إطار العلاقة بين البلدين. ذلك أن الرياض تخلّفت عن تقديم أي دعم مالي لإعادة إعمار سوريا، كما أنها لم تعيد العلاقات الدبلوماسية إلى سابق عهدها، ما جعل الأسد يطير إلى طهران لتسدل الحكومة الإيرانية في ما بعد الستار عن عقود الشركات الإيرانية التي أُبرمت مع الجانب السوري لبناء السدود والمحطات الكهرومائية ومحطات التصفية والصرف الصحي وشبكات المياه وغيرها من المشاريع.

الإقتراب السعودي الحذر من سوريا، مردّه إلى احتمالين، الأول أن التقارب الذي أبدته الرياض ليس سوى مناورة لتقليص النفوذ الإيراني والتركي في سوريا وأنها حتى الآن غير مستعدة لإعادة العلاقات مع دمشق. أما الإحتمال الثاني، فيرتبط بحليف السعودية الأول وهي الولايات المتحدة التي تتضارب مصالحها وأجنداتها مع روسيا على الأرض السورية وبالتالي تخشى الرياض تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يجعلها تعود أدراجها إلى الوراء خشية احتراقها بشرارة العقوبات الأمريكية على سوريا والتي تعرف بقانون قيصر الذي بات نافذاً اعتباراً من 17 يونيو/ حزيران المنصرم، وتمتد مفاعيله لخمس سنوات من تاريخ بدء التنفيذ، أي حتى عام 2024. يُلحق هذا القانون العقوبة بكل من يبرم عقود تجارية وإستثمارية في سوريا أو يشرع في توفير الدعم المادي والتقني لإعادة إعمار سوريا وتسهيل الإنتاج المحلي للحكومة من الغاز الطبيعي أو البترول والمنتجات البترولية. على كل حال، لا يمكن توقع أي دور بطولي من السعودية في سوريا، بالنظر إلى أن الأخيرة ليست دولة سيادية إنما مرتهنة للإرادة الأمريكية أولاً وأخيراً، إلا أن التحوّل الحقيقي يمكن أن يحدث في حال مارست موسكو ضغوطاً على واشنطن لإستعادة الرياض دورها الدبلوماسي في سوريا والمشاركة في إعادة إعمارها.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى