النشرةبارزمقدسات وآثار

سياسة الإنتقام والإهمال تمحو تراث القطيف

لا شيء يردع سياسات الرياض العازمة على تدمير الملامح التراثية الثقافية التاريخية والإجتماعية لأهالي القطيف والأحساء في الوقت الذي تتجول فيه قواتها المدججة برشاشاتها وآلياتها المصفحة بين أحياء المنطقة الشرقية لزعزعة الأمن وبث الرعب بين الأهالي،،

مرآة الجزيرة

بين الإهمال المتعمد والإنتقام الواضح تتهاوى معالم القطيف الأثرية وتتهدم أحيائها التاريخية. بشراسة غير محدودة يتعامل النظام السعودي مع القطيف والأحساء متعمداً استئصال الهوية التراثية لهذه المنطقة. معاول الهدم والتدمير طالت قلعة القطيف، وصولاً إلى حي المسوّرة، وحي الديرة بالعوامية، فيما تُركت قلعة تاروت وقصر الفيحاني للاهمال المتعمد لتنخرها عوامل التعرية وتتهاوى حجارتها مع الرياح والرطوية وتقادم الزمن.. وغيرها مئات من المعالم المهمشة والمهددة بالإنهيار أو التدمير المباشر تحت ذرائع عدة تختلقها سلطات الرياض.

في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وتحديداً عقب انتفاضة المحرم عام 1400 أقدم النظام السعودي على هدم قلعة القطيف التي تجسّد تاريخ وحضارة المنطقة. وكما تجري العادة زعم النظام أنه سيتم هدم القلعة بهدف تأهيلها، وبالرغم من أنه شكّل لجنة لتقييم الأضرار إلا أنه تنصّل من مسؤولياته فلم يعيد بناء القلعة ولم يعوّض على المتضررين بما يستحقونه. ومنذ حوالي 40 عاماً لا تزال قلعة القطيف مهدمة ليعلن خرابها فداحة أكاذيب النظام.

يرجع بناء قلعة القطيف إلى القرن الثالث الميلادي على يد الساسانيين. اتّخذها العُثمانيون من بعدهم قاعدةً عسكرية ونقطةً دفاعيّة في الخليج العربي بعد ترميمهم لها في القرن السابع عشر الميلادي سنة 1630م. كانت تحتوي القلعة على أحد عشر مسجداً إضافةً إلى قصر البلاط الملكي وقصور الضيافة وحظائر المواشي جميعها مُحاطة بسور منيع.

السيناريو ذاته تكرّر لاحقاً مع حي المسوّرة التاريخي الذي يقع في بلدة العوامية وذلك على خلفية الحراك الشعبي. يمتد الحي إلى 120 ألف متر، ويضم 488 منزل متلاصق تم بناؤهم من الطين وحجر البحر والأعمدة الخشبية وشوارع ضيقة. ويصنف كمعلم تراثي نظراً لأقدميته التاريخية، لكن بدلاً من ترميمه قامت سلطات الرياض في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2017 بهدمه تدريجياً وتهجير سكانه قسرياً بحجة أن بأن بيوته باتت تشكل خطراً على ساكنيها، وزعمت أيضاً أنها ستطلق مشروعاً لإعادة تخطيط الحي الحي وتحويله إلى منطقة خدمات واستثمارات، يضم حدائق ومناطق ترفيهية. لكن حتى لحظة كتابة هذا التقرير لم تنفذ السلطات شيئاً من وعودها.

جريمة أخرى ارتكبتها السلطات السعودية بحق قصر الفيحاني الأثري الذي يجاور قلعة تُعرف بقلعة دارين في قرية دارين بجزيرة تاروت في محافظة القطيف. للقصر قيمة تاريخية كبيرة، وهو أحد أهم المعالم الأثرية في المنطقة الشرقية، بيد أنه لم يحظَ بالإهتمام المطلوب من قبل السلطات السعودية المسؤولة عن حفظ التراث، ما أدى لإنهياره في شكل متجزىء، حتى انتهى به الحال إلى ركام من الأحجار.

قلعة تاروت هي الأخرى لقيت نصيبها من إهمال السلطات وهي قلعة بناها العيونيون قبل ألف عام على أنقاض هيكل عشتروت، رمز الحب والجمال عند الفينيقيين. ثم رممها البرتغاليون الذين غزوا الخليج قبل خمسة قرون واحتلوه قرابة 150 عاماً قبل أن يطردهم العثمانيون. وبعد هيمنة النظام السعودي على أرض الحجاز أهملت القلعة حتى أصبح بنيانها متردياً للغاية كما تبدو اليوم.

أما حي الديرة الواقع في منطقة تاروت فيواجه اليوم خطر التدمير بأي لحظة، ذلك أن السلطات السعودية أعلمت أهالي تاروت أنهم على موعد مع مخطط هدم بزعم صيانة “قلعة تاروت” الأثرية. وزعمت أن المنازل التي بنيت منذ ما يفوق 300 عام “تحجب الرؤية عن القلعة”، وبالتالي “لا بد من إزالتها وإخراجها من كامل المشهد”.

لا شيء يردع سياسات الرياض العازمة على تدمير الملامح التراثية الثقافية التاريخية والإجتماعية لأهالي القطيف والأحساء في الوقت الذي تتجول فيه قواتها المدججة برشاشاتها وآلياتها المصفحة بين أحياء المنطقة الشرقية لزعزعة الأمن وبث الرعب بين الأهالي. معالم تراثية وتاريخية كان من الممكن لو جرى ترميمها والإهتمام بها أن تشكل مصدراً مالياً هاماً لخزينة الدولة عبر استثمارها في السياحة، كان من الممكن أيضاً أن تتحول إلى صروح ثقافية وأدبية تضفي جمالية خاصة لثقافة المنطقة لكنها السلطات تصرّ على تسييس كل ما يقع على أرض الحجاز والجزيرة العربية لتنال منه على طريقتها.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى