النشرةبارزتحليلات

محمد بن سلمان ومرحلة “التغيير الإجباري”

إن خطورة هذا التغيير المزيّف، لا تكمن في كونه يُحدث اختلالاً في الهوية الإجتماعية للفرد فحسب إنما يضعه أمام صراع مخيف بين واقع لا يشبهه وتطلعات لا وجود لها بالواقع، ما يجعله إما منخرطاً في مشروع لم يختره أو متقوقعاً وسط أفكار وتطلعات تمثله، قد تجعل منه في ما بعد فرداً إنعزالياً متخلّفاً..

زينب فرحات ـ مرآة الجزيرة

منذ صعود نجم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يروّج الرجل لجملة من الإنجازات في طليعتها خطوات “التغيير الإجتماعي”. وبالفعل ثمّة تغيّرات هائلة طرأت على التركيبة الثقافية والقيمية لدى المجتمع، ليس آخرها تشجيع الأهالي على احتساء الخمور التي انتشرت مؤخرأ في الملاهي والحانات والمراقص بل لا تزال المفاجآت سارية ولنا أن نتخيّل ما نشاء، في بلدٍ كان يُحاكم فيه المرء على النيّات لشدّة الضوابط الدينية المفروضة.

طلائع التغيير اللافت ظهرت أواخر عام 2017 حينما أصدر الديوان الملكي أمراً سامياً للسماح بمنح رخص قيادة السيارات للنساء في “السعودية”. ثم فُتح النقاش في موضوع نظام ولاية الرجل المفروض على النساء والذي يقيد تحركاتهن، إذ لا يمكن للمرأة السفر أو العمل أو حتى الذهاب إلى المستشفى لتلقي العلاج في حال لم تحصل على موافقة من قبل ولي أمرها الذكر، وقد تمّ إجراء عدة تعديلات عليه لاحقاً. من جملة التغييرات الحاصلة أيضاً، سحق نفوذ السلطة الدينية المتطرفة المتمثلة بهيئة الأمر بالمعروف لتحل مكانها الهيئة العامة للترفيه المعنية بتنظيم الفعاليات والأنشطة الترفيهية غير المألوفة.

يُرجع مؤسس علم الإجتماع عبد الرحمن ابن خلدون التغير الإجتماعي إلى العصبية التي تُخلق لأفراد القبيلة وعياً بمصالحهم وطموحاتهم وأهدافهم المشتركة. يظل بحسب رأيه هذا الوعي ينمو ويتطور حتى يصل إلى درجة السيطرة والتغلّب والتي هي نزعة غريزية في ذات الإنسان. ومن هنا يبدأ التناحر بين مكونات المجتمع إلى أن تولد ديناميكية إجتماعية ذات فاعلية في التغيير الإجتماعي. في حين يرى عالم الإجتماع الفرنسي أوغست كونت أن منشأ التغيير الإجتماعي يعود إلى التطور الذي يحصل على مستوى التفكير بالنسبة للأفراد والمجتمعات، بدءاً من المرحلة اللاهوتية أي التفسير الغيبي للظواهر إلى المرحلة الميتافيزيقية أي التفسير الفلسفي ثم المرحلة الوضعية وهي مرحلة التفكير العلمي الذي يحدث قفزة نوعية في السلوك الإجتماعي والإقتصادي والسياسي للبلاد. بينما يعتبر عالم الإجتماع الألماني كارل ماركس أن الصراع في المجتمع يقع بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها وهو الأمر الذي يغيّر المجتمعات نتيجة ظهور الوعي لدى الطبقات المقهورة وبالتالي اندلاع ثورة تعيد بناء تركيبة المجتمع.

على خلاف مقومات التغيير في أي بلد استناداً لنظريات علماء الإجتماع، نجد أن المجتمع “السعودي” يفتقد بالفعل لمقومات التغيير، بل أكثر من ذلك فإنه خلافاً للحالات الطبيعية، ما يحصل فعلياً في “السعودية” اليوم هو تغيير من أعلى إلى الأسفل وليس العكس، أي حين يكون الشعب مصدر التغيير ومدماك التحولات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي تطرأ على البلاد. أجواء الحرية السائدة في “السعودية” هي أقرب إلى أن تكون استكمالاً لفصول الإستبداد التي افتتح بها محمد بن سلمان حقبته الدموية، من الحرية الشخصية الحقيقية. هي تغليفٌ دمث للقمع السائد، فكأن ابن سلمان يقول: “إليكم الحرية التي أقدمها لكم أنا وألزمكم بتطبيقها على طريقتي الخاصة وبالوقت والمكان الذي أحدده لكم. وحين تمارسون حريتكم هذه، إياكم وانتقاء حديثاً من قائمة الممنوعات، فجميع كلماتكم ونظراتكم وتحركاتكم مرصودة”. هي نوعٌ من الحرية المفروضة التي لا يتسع رحبها للتخيير فممنوع على أحد إبداء رأيه بها أو تقييمها وإلا.. وما أدراك ما إلا هذه التي يفصل فيها ولي العهد. فضلاً عن ذلك، فإن حاملي مشعل الإصلاح الإجتماعي والسياسي في البلاد لا زالوا يقبعون في غياهب السجون بإنتظار تغييراً حقيقياً يعيد إليهم حقهم بالرفض والإستنكار والتعبير عن الرأي دون أن يمسّهم سوء.

لقد فتح التغيير في “السعودية”، إشكالية ضياع الهوية. ذلك أن الهوية تتشكّل بحسب هارلمبس وهولبورن عبر الثقافات الرئيسية والفئوية التي ينتمي لها الأفراد نظراً للعلاقة الجدلية القائمة بين المفهومين، فإحساس المرء في ذاته ونظرته لها تحدده الممارسات الثقافية في المحيط الذي يعيش فيه والتي يتلقاها بشكل لا إرادي أو عبر التجربة والإنخراط في المجتمع. وهنا بالطبع سنكون أمام تحولاً رائعاً إذا ما حصلت تغييرات حقيقية رفعت البلاد من بؤر الجهل والتخلف إلى رحاب الحضارة، لكن ماذا لو كانت الثقافة الطارئة ليست نتيجة تحولاً حقيقياً في أركان البلاد إنما إعادة إنتاج سطوة النظام بطرق مختلفة؟ ثم ماذا عن هويات الآخرين الذين يرفضون الإنضواء في مشاريع محمد بن سلمان الهادفة إلى إنتاج نسخة أخرى من الثقافة الغربية في بلاده استرضاءاً لأسياده في البيت الأبيض؟

إن خطورة هذا التغيير المزيّف ذات الخلفية الواضحة، لا تكمن في كونه يُحدث اختلالاً في الهوية الإجتماعية للفرد فحسب إنما يضعه أمام صراع مخيف بين واقع لا يشبهه وتطلعات لا مجال لها بالواقع، ما يجعله إما منخرطاً في مشروع لم يختاره أو متقوقعاً في أفكار وتطلعات تمثله، قد تجعل منه في ما بعد فرداً إنعزالياً متخلّفاً حتى عن التخلّف المنتشر في أرجاء البلاد.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى