النشرةبارزبختم كربلاء

من قلب المعاناة السياسية والظلم الإجتماعي تفجّرت انتفاضة محرم 1400هـ

ليس ثمّة انفجار شعبي في أي دولة بالعالم يولد من العدم، إنما تكمن خلفه معاناة عميقة تسلب راحة الشعوب وأمنها حتى تُشعرها بتهديد قويّ يلامس وجودها، فتغضب محدثةً موجة إحتجاجات عارمة

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

ليس ثمّة انفجار شعبي في أي دولة بالعالم يولد من العدم، إنما تكمن خلفه معاناة عميقة تسلب راحة الشعوب وأمنها حتى تُشعرها بتهديد قويّ يلامس وجودها، فتغضب محدثةً موجة إحتجاجات عارمة. قد يُكتب لهذه الإحتجاجات النجاح بتحقيق أهدافها في حال تمكنت من تنظيم نفسها وتوجيه مطالبها، وإذا حظيت بقيادة فاعلة من قبل الجهات المؤثرة في المجتمع، الأمر الذي يوفّر الإلتفاف الشعبي المطلوب. وقد تنخفت شراراتها سريعاً في حال افتقدت للقيادة اللازمة لإستثمار غضب الناس وتحديد خريطة تحركاتهم، وفي حال تعرّضت للقمع المفرط من قبل نظام الحكم. ويبقى مرد كل إنفجار شعبي إلى مجموعة من السياسات الداخلية والخارجية الفاسدة التي تُنهك الناس حتى يجدون أنفسهم يطلقون صيحات الغضب في الشارع. فما هي أبرز أسباب انتفاضة محرم عام 1400هـ؟

عشيّة السادس من شهر محرم 1400 ه الموافق25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، خرجت مظاهرات شعبية ساخطة في القطيف والأحساء إلى الشوارع بعد إحياء مراسم عاشوراء بحضور الشيخ حسن الصفار والسيد مرتضى القزويني وخطباء آخرون، متخذةً من شعار “الله أكبر” صرخات مجيدة في وجه فراعنة الجزيرة العربية، لا تزال أصدائها تتردد في مسامع الجيل الحالي. الإنتفاضة التي انطلقت من قلب عاشوراء واتخذت من واقعة الطف دليلاً لها لتسير على خطى الإمام الثائر الحسين بن علي (ع)، جاءت وليدة الإضطهاد السياسي والفساد المالي والإداري ومصادرة الآراء والحريات واستلاب حقوق الأفراد. ما جعل الناس يهبّون بسخط ضد حكام السلطة الفاسدة.

الأوضاع السياسية

حين نأتي على ذكر نظام كذاك الموجود في “السعودية”، لا يمكن التحدّث بمنطق وجود مشاكل وأخطاء سياسية مخيبة للآمال فحسب. الموضوع أعمق من ذلك بكثير، ذلك أن حقيقة الأزمة هناك هي وجود هذا النظام بالأساس، ذات البنية السياسية الدموية. الحكم في “السعودية” بني على أكوام الرؤوس والأطراف المقطعة، فحادثة واحدة من مئات الجرائم التي ارتكبها عبد العزيز آل سعود راح ضحيتها 40 ألفاً في معركة تربه قرب الطائف، وصفها المؤرخ أمين الريحاني نقلاً عن عوف بن هاشم الذي شهد الواقعة بالقول: “رأيت الدم في تربه يجري كالنهر بين النخيل، وبقيت سنتين عندما أرى الماء جارية أظنها والله حمراء”. وبمثل هذا الإرهاب شيّد عبد العزيز نظامه، وجعله ملكياً، وراثياً، مطلق الصلاحيات.

ثم صبغ النظام السعودي نفسه بالإسلام، وأوحى إلى مرتزقته أن “المملكة العربية السعودية” مملكة إسلامية، دستورها الشرع الإسلامي بالرغم من أن نظام الحكم يعد من أشد النقائض لشريعة القرآن التي تنصّ على: “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة قومها أذلّة وكذلك يفعلون”. فضلاً عن أن الله تعالى يأمر النبي محمد (ص) بمشاورة أصحابه في الحكم: “وشاورهم في الأمر”، “وأمرهم شورى بينهم”، على خلاف الحكم السلطوي المباشر والتفرّد بالقرارات كما يحكم آل سعود. حقيقةً ليس ثمّة قانون فعلي يطبق في “السعودية” بالرغم من إدعاء الإحتكام للشريعة الإسلامية. الحاكم الفعلي هي الأهواء الشخصية، فما يراه صاحب الجلالة أياً يكن يصبح هو القانون النافذ في البلاد وعلى الجميع القبول تحت سطوة السيف والبندقية.

لم يترك آل سعود زاوية في البلاد إلا وأخضعوها لهم، فسيطروا على جميع أجهزة الدولة، والمناصب العليا، من الملك رأس الهرم، وولي العهد الذي يعينه إلى وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والشؤون البلدية والقروية والأشغال العامة، ورئاسة الحرس الوطني، وصولاً إلى كافة المؤسات الحكومية والشركات وغيرها. كل ذلك يضاف إلى انعدام كفاءة آل سعود بالحكم وخضوعهم الفاقع للغرب والصهاينة، حطّ من قدر الكرامة الإنسانية للشعب فشعر بنوع من الإستياء حيال السلطة ولدت لديه رغبة عارمة بالتعبير عن الرفض.

الأوضاع الإقتصادية

اشتهرت أرض الجزيرة العربية بضمّها ثروات هائلة من المعادن والنفط عدا عن خصوبتها التي عرفت بغزارة المحاصيل الزراعية وجودتها. تضم أراضي الجزيرة كنوزاً في أحشائها، كالذهب المتواجد في الدرع العربي الناري والفضة المتواجدة في أراضي الدوامي والقويعية وحليبان، والحديد المتواجد في وادي فاطمة، ومنطقة المواوين وجبل دساس. بالإضافة إلى هذه المعادن هناك نحاس، وفلورايت ومغنيسيت وملح وجبس وكبريت ورصاص وزنك واسمنت، وغيرها. وفي المجال الزراعي، كانت الجزيرة تعتمد على المحاصيل الزراعية كمورد أساسي لها، لكن مع مرور الوقت وبسبب إهمال السلطات، تدهورت الزراعة كلياً حتى أصبحت الأراضي تمثل 21 بالمئة فقط من مساحة الجزيرة. رغم التبجّح بخطط التنمية التي أوصلت البلاد إلى قاع الفقر الزراعي فباتت تستورد شتّى أنواع الخضار والفواكه.

أما عن الذهب الأسود (النفط) فقد شكّل ولا يزال عصب الحياة، حيث تضم الجزيرة العربية ربع إحتياطي العالم. لكن بدلاً من أن تدفع هذه الثروات البلاد نحو الرقي والتقدم، تحوّلت إلى وبال سقط على الشعوب. والسبّب أن هذا النفط جلب الشركات الأجنبية الإستعمارية الإحتكارية التي سيطرت على الإنتاج والتصدير. فغدت العائدات النفطية تملأ جيوب الغرب والصهاينة، لتتحوّل إلى حجر عثرة أمام تحرير فلسطين ونهوض الأمة الإسلامية لأنها تذهب إلى الأعداء فيحاربوننا بها من خلال حصولهم على الوقود المجاني من الجزيرة وبالتالي تمتلئ خزانات طائراتهم وآلياتهم العسكرية من النفط العربي.

بالرغم من أن المنطقة الشرقية تعوم على بحر من البترول حيث تحتضن 24 بالمئة من حجم الإحتياط النفطي العالمي، بيد أنها كانت ولا تزال أكثر المناطق فقراً وبؤساً في البلاد، إذ يتم استنفاد كل فرد من أفرادها لتحصيل قوت يومه ومع ذلك تبقى الديون تلاحقه حتى آخر يوم في حياته. وذلك على خلاف الصورة التي كان يُظهّرها الإعلام المرتزق حين يقدم صورة مزيفة عن العمران والرفاه الإقتصادي الذي يعيشه الشعب. واقع الأمر أن غالبية الممتلكات الضخمة تعود لواجهات المدن المملوكة للأمراء وحواشيهم، بينما كانت تنتشر في ظلال هذه المظاهر أكواخ الصفيح والعشيش التي سوّرت بجدران الإسمنت المسطح حتى لا يشعر أحد بمعاناة آلاف العوائل المحتاجة في الجزيرة. لم يكتفِ آل سعود بتهميش الفقراء فحسب بل زجّوا بهم في السجون، ففي عام 1979 أدخلت السلطات السعودية 200 عائلة إلى السجن بتهمة التسوّل، لأنهم اضطروا إلى المبيت في الشارع، بعد أن أخرجتهم البلدية بالقوة من بيوت العشيش التي كانوا يسكنون فيها. هكذا كان يتعامل آل سعود مع الفقراء والمهمّشين!

وجهة ثروات البلاد

بدلاً من صرف ثروات البلاد على تعزيز التقدّم الصناعي والإنتاجي والخدماتي للشعب حتى يكون في طليعة الشعوب المتطورة، تذهب عائدات البلاد وتحديداً النفطية، إلى تمويل مصانع الأسلحة الغربية وبالأخص الأمريكية. ففي عام 1979 كانت ميزانية الحكومة السعودية 160 ألف مليون ريال خصّ منها 48 مليون ريال للقطاعات العسكرية، عدا قطاع الأمن الذي خص له 8 آلاف مليون ريال. كما تصدّرت قائمة المشترين للسلاح عام 1978 حيث بلغ إنفاقها العسكري 4 مليار و200 مليون دولار بحسب النشرة الإحصائية التي أصدرتها وزارة الدفاع الأمريكي (البنتاغون).

وهكذا تحوّلت بلادنا إلى مخازن أسلحة يشرف عليها الأمريكيون من خلال قواعدهم المنتشرة في الجزيرة العربية وعن طريق جواسيسهم المتخفين بإسم “الخبراء”. لكن هذا لا يعني بالطبع أن مخازن الأسلحة تفتح للمقاومين في حروبهم ضد الإحتلال الإسرائيلي، ففي حرب 1967 لم تقدّم الحكومة السعودية قطعة سلاح واحدة للمناضلين العرب ضد الإحتلال الإسرائيلي إنما اقتصرت مشاركتها فقط على الإذاعات لتنقل للشعب العربي انتصارات وهمية لم يدركها الجيش السعودي بأي شكل. علماً أن الملك فيصل كان يدعو آنذاك للجهاد ويعلن أن قواته ستشارك في المعركة في الخامس والسادس من حزيران. وقد بقيت القوات السعودية مرابطة على حدود الأردن دون أن تتقدم خطوة واحدة تجاه فلسطين. وبالتالي، كانت مشاركة “السعودية” طعنة في ظهر الأمة، خاصة عندما دفع الملك فيصل، الرئيس المصري أنور السادات للصلح والقبول بوقف إطلاق النار الأمر الذي مهّد إلى توقيع اتفاقية “كامب ديفيد”. ففي لقاء صحفي مع هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكية السابق عام 1975 قال أن الملك فيصل أعلمه الآتي: “أنه على استعداد للقبول بحدود اسرائيل سنة 1967” وأردف: “عندما نأخذ بعين الإعتبار أنهم لم يجرأوا قبل ذلك على القبول بإسرائيل نراهم على أتم الإستعداد للإعتراف بإسرائيل وفق حدودها الحالية أي حدود 1967”.

بالإضافة إلى ذلك، صرفت أموال شعب الجزيرة على دعم ومساعدة الأنظمة العميلة التي تدور في فلك الأمبريالية الأمريكية، فقد جاء في إحصائية نشرت في واشنطن، أن “السعودية” تحتل المركز الأول في مساندة دول العالم الثالث وقد أنفقت 6 بالمئة من دخلها القومي لهذا الغرض. ميزانية عام 1979 بيّنت أن “السعودية” قدّمت ما يقارب 16 مليار ريال سعودي إلى 23 دولة تدور جميعها في الفلك الأمريكي. وفي ما يلي بعض هذه الدول: بنغلادش، مالطا، طوكيو، عمان، حكومة اليمن الشمالية، السودان، موريتانيا، جزر القمر، تونس، مصر، وغيرها من الدول التي تلقّت دعماً مالياً من الرياض بين عامي 1977 و1979.

فساد وفضائح

إلى جانب تبديد الثروات عبر صفقات السلاح، ثمة طريق آخر لهدر العائدات المالية من خلال صرفها على فواتير اللهو والترف والمجون والفيلات واليخوت والطائرات الخاصة وموائد القمار ورحلات اللهو إلى حفلات الدعارة والليالي الحمراء، لا سيما داخل البلاد أو خارجها في الدول العربية والغربية. فقد بلغت قيمة أحد يخوت الملك خالد بن عبد العزيز التي تولى الحكم عام 1975 حتى عام 1982 أي بالتزامن مع انتفاضة محرم، في أمستردام، 14 مليون دولار أمريكي. فضلاً عن امتلاكه قصور في أغلب مدن الجزيرة العربية وفي أوروبا. بينما اشترى الأمير فهد، جنة في أسبانيا كلفته 6 مليارات دولار بالإضافة لإمتلاكه قصور وعقارات في كل من مصر والمغرب وتونس وبيروت وفرنسا وإيطاليا وغيرها. كما اشترى ضيعة من أكبر ضيع جنيف تبلغ قيمتها 61 مليون دولار، عدا عن ملايين الدولارات التي كانت تصرف على موائد القمار في حانات أوروبا، في الوقت الذي كان يعيش فيه آلاف المواطنين في أكواخ ويعانون من شح المياه والكهرباء ويفتقدون لأبسط الخدمات الإجتماعية.

الحجر الفكري

لقد فرض النظام السعودي حصاراً فكرياً على شعب الجزيرة العربية لمنع ولوج أي مادة إعلامية إلى البلاد من شأنها نشر الثقافة العامة أو تحمل فكرة انتقاد لسلوك الحكام. بما في ذلك، الصحف والمجلات وأشرطة الكاسيت والكتب التي لا تروق مضامينها لآل سعود. وبناءاً عليه، زُجّ في السجن كل من يُضبط بحوزته شيئاً من هذه المواد.

بإستثناء تلك المواد التي تمجّد بالحكام السعوديين، فلأصحابها ما شاؤوا من الإمتيازات والترقيات ليستمروا في إفراز قيحهم الفكري. وصل أمر القمع الإعلامي إلى حد أن وزارة الإعلام وزّعت على المجلات والجرائد المحلية قاموساً يحدد لائحة المصطلحات الممنوع تداولها نظراً لدرجة خطورتها ككلمة “ثورة” مثلاً أو “حرية”. لقد طال الحجب أيضاً آيات قرآنية أمثال الآية القائلة: “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”.

ومن أبرز حالات القمع الحاصلة في تلك الفترة، كان اعتقال عدة أشخاص عام 1978، بتهمة إدخال بعض الكتب الإسلامية والمجلات الإسلامية الثورية وقد اعتقل أحدهم لأكثر من ستة أشهر ومورس بحقه مختلف ألوان التعذيب بالرغم من أن أمثال هذه الكتب كانت تباع في الكويت وفي أغلب الدول العربية والخليجية دون مشكلة. وهذه إضاءة بسيطة على تاريخ طويل من سحق شعب الجزيرة وممارسة شتى أشكال الإهانات بحقه. وليس ولي العهد الحالي محمد بن سلمان سوى وريثاً لطغيان أسلافه وفسادهم السياسي والإقتصادي المتواصل على مرّ الأجيال، فضلاً عن كونه متهوراً وعديم الخبرة في شؤون القيادة. وبالتالي، تنغمس البلاد في عصرها الظلامي في الوقت الذي يصرّ فيه ابن سلمان على أنه “عصر النهضة”!

المعلومات الواردة في هذا التقرير مستقاة من كتاب إنتفاضة المنطقة الشرقية 1400هـ – 1979 م.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى