النشرةبارزبختم كربلاء

خواطر حول انتفاضة محرم١٤٠٠هـ 3/3

تكريم انتفاضة المحرم هو بغرض تسجيل تاريخ جديد، والتأكيد على أن الوعي الشيعي كان متقدما في ادراكه لفساد السلطة واستبدادها السياسي والاجتماعي، وذلك بفعل ما تمليه عليه ثقافته الحسينية العميقة من التحلي بالبصيرة والعزة والكرامة.

الشيخ جاسم المحمد علي

تكريم الانتفاضة والاحتفاء بها

أربعة عقود مضت على انطلاق الانتفاضة المجيدة في المنطقة الشرقية، ولاتزال الذاكرة لدى من عاش مرحلتها تزخر بالكثير من الأحداث والمشهديات والتفاصيل التي سطرها أبناؤها البواسل وشهداؤها المضحون، وذلك في سياق تاريخ طويل من المواجهات المستمرة مع النظام السعودي، بدءً من المطالبة بالاصلاحات السياسية، وانتهاءً بالتغيير الجذري للواقع وبنياته المتنوعة.

أهمية هذه الانتفاضة المجيدة تكمن في مدى حضور قيمها ومبادئها في الوجدان المجتمعي العام، وتحولها إلى نموذج يمكن له أن يعيد انتاج تحرك مماثل في المراحل اللاحقة؛ سعيا نحو انتزاع الكرامة والعزة والأمن والأمان، كالحراك الشعبي الذي حصل في ٢٠١١م واستلهم منها الحضور والثورية والشجاعة.(1)

تكريم الانتفاضة التي انطلقت عام ١٤٠٠ه هو بغرض تسجيل تاريخ جديد، والتأكيد على أن الوعي الشيعي كان متقدما في ادراكه لفساد السلطة واستبدادها السياسي والاجتماعي، وذلك بفعل ما تمليه عليه ثقافته الحسينية العميقة من التحلي بالبصيرة والعزة والكرامة.

والاحتفاء بالانتفاضة في فلسفته السياسية هو إيصال رسالة للأجيال والأبناء بأنهم يملكون تاريخا نضاليا حافلا بالتحدي والإرادة، وأن أباءهم لم يكونوا جماعة مقطوعة عن مجرى صناعة التاريخ والاجتماع.

هذه الانتفاضة شكلت مفصلا تحوليا كبيرا في مسار النضال ضد آل سعود، وأسست لمرحلة جديدة على المستوى السياسي والثقافي والنفسي تختلف عن ما سبقها من المراحل والظروف، وكل ما جرى بعدها هو مسيس بها بوضوح وجلاء..

فهي ساهمت في ارتفاع منسوب الثقافة الثورية في المنطقة، وساهمت في تطوير الوعي السياسي للمجتمع، وأصلّت للهم الرسالي في التفكير والسلوك؛ فهي انتفاضة تأسيسية في حركة المجتمع..

لهذا نحن مدينون لكل من شارك فيها، واستشهد فيها، واعتقل فيها، وساهم في اشعالها واطلاق شرارتها..

في هذا الإطار، من أهم سبل تكريمها هو تجذير مضمونها الحي في العقل الاجتماعي من خلال تثوير قيمها، وتظهير مبادئها، واستحضار رسالتها، وتشكيل عملية تواصل مستمرة معها..

هذا النحو من التكريم والاحتفاء يقع على كاهل المجتمع الشيعي الذي كان رائدا في هذا الحدث..

فالمجتمع الواعي هو الذي يستمر في استحضار عناصر القوة الرئيسة لديه من أجل تدعيم نهوضه وقيامته وبنائه، خصوصا في هذه المرحلة التي يعيش فيها واقعنا التباسا وتعقيدا في أبعاده الداخلية والإقليمية من جوانبه السياسية والاجتماعية والأخلاقية.

ما أريد أن أقوله: أن التكريم هو الاستمرار في خط الانتفاضة والصيرورة في ضمن قيمها حتى نصل إلى أهدافها الكاملة، وأن نخلق من التكريم الحقيقي لها وسيلة للعمل على صناعة الذاكرة الثورية والحركية للمجتمع حول قيم النهضة والحرية والعدالة والكرامة.

مكتسبات الانتفاضة وسبل الحفاظ عليها

عندما نراجع الانتفاضة وثمارها ومكتساباتها في المنطقة الشرقية، بوصفها مشروعا تأسيسيا لمرحلة جديدة في حركة المجتمع السياسية والنضالية، سنجد أنها متعددة، منها(2) :

١/  أن الحدث في سياقه التاريخي والثوري جاء مفتتحا لعهد جديد من الرؤى والمفاهيم والتصورات. بمعنى أن التطور الذي حدث: هو تغيير عميق في منظومة الأفكار والهموم، حتى بات الناس يقرأون الدين والثورة الحسينية قراءة نهضوية تمدهم بمقومات النضال والتغيير.

٢/ الانتفاضة ساهمت بشكل رئيس في بلورة الخيارات السياسية للشيعة، بعد أن كانت محصورا في أطر ضيقة ومحدودة، ولا زالت التجربة في طور الصقل والترشيد تبعا للتطورات والامكانات ومستويات الوعي.

٣/ الانتفاضة شكّلت كفاءات للساحة الشيعية في ميادين حساسة ومهمة في الأبعاد السياسية والثقافية والمجتمعية، بل يمكن القول: إن أبرز الوجوه الفاعلة اليوم في ساحات المجتمع هم ثمار الانتفاضة وأبناؤها..

٤/ الانتفاضة انتقلت بالعقل الحركي في الميدان الشيعي من الطرق العامة المبعثرة في توظيف طاقاته ونشاطاته إلى العمل التنظيمي الذي يجمع الشتات، ويحدد ايقاع النشاط المعارض، ويوحد الهموم والأهداف..

الضمانة الحقيقية للحفاظ على هذه المكتسبات التي أسست لمرحلة الوعي والنهوض، هو الإصرار على تحقيق أهدافها، وعدم السماح لأحد بأن يميّعها ويحور غاياتها الرئيسة، والاستمرار في مواجهة الظلم والفساد والانحراف مصحوبةً بثقافة التضحية والبذل والعطاء.

البطولة الحقيقية ليست في مجرد الوصول إلى القمة، بل أن تثبت على القمة، والحفاظ على مكتسبات الانتفاضة والثورية والروح النهضوية وتطويرها هو أصعب من اطلاق شرارتها والتحلي بأخلاقها وروحياتها في مرحلة معينة.

الحفاظ على اشتعال جذوة الرفض للظلم، والثبات على خط الإيمان والإرادة والمواجهة، والاستعداد لتقديم الغالي والنفيس في سبيل ذلك بوصفه في أدبياتنا العقائدية يشكل مشروعا جوهريا في الوصول الى معالي الكمال والتحرر والجمال، هو الذي يجعل من هذه الانتفاضة موصولة بثورة الأحرار ضد أصنام الاستكبار والاستعباد في ساحة الدنيا والوجود.

ولا يخفى ان الانتفاضة التغييرية الحية التي تريد الحفاظ على إرادتها ونفسها، هي تبدي تملك استعداد ومرونةً للنقد من أجل التطوير والتكامل والتقدم على الخط نفسه والمشروع ذاته، لكن لا تقبل التقهقر وإعادة النظر في أهدافها الأصيلة القائمة على تحقيق قيم الإنسان العزيزة، فهي لاتبتعد عن مبادئها وشعاراتها، ولا تعرف الركود والخمول والانطفاء، ولا تصاب بمرض الضعف والانهزام، بل تستمر في مسيرتها إلى أن تلتحم بأهدافها الكبرى..

اليوم واحدة من الواجبات الرئيسة على الحركة السياسية المعارضة في ساحة الجزيرة العربية، هي أن تحافظ على روح الانتفاضة، وتعمق حسها الاجتماعي وتجذرن وتمدده؛ حتى تتحول إلى حالة جماهيرية عارمة تقدر على صوغ واقعها وفق قيم العزة والشموخ.

وأظن أن من الوسائل المهمة للحفاظ على مكتسبات الانتفاضة، هو تكوين عمل منظم شعبي واجتماعي وثقافي تدعم أهداف الانتفاضة حتى لاتضيع دماء الشهداء ولاتغيب رسالتهم.

  قيم الانتفاضة وأهمية التذكير بها

شهداء الانتفاضة وأهدافها، باعتبارهم جزءً من النسق الفطري والديني، فهي محفوظة ومعززة وحاضرة في وجدان الأحرار ببقاء الدين والفطرة التي تعشق الجمال المعنوية وتجلياته في الحياة.

لكن الذي يبقى في حياة هذه الدنيا، ويكون معرضا بحكم طبيعة هويتها وفلسفتها للابتلاء والامتحان، واحتمال تلاشي الروح الثورية وتراجعها لديه؛ بسبب الانسياق مع الحياة المادية الرغيدة، هو الذي يكون بحاجة إلى تذكر عطاءات الشهداء، واستحضار التجارب الثورية، وتثوير أهداف النضال في هذه الحياة.

ولأجل أن تكون الانتفاضة واشعاعاتها ذات تأثير واسع وكبير، تحتاج إلى أن يكون التذكير بها مستمرا ومتنوعا في آلياته وأدواته.

فدور التذكير هو أن يكون قناة ناقلة للأجيال قيم الانتفاضة ودورها الروحي والتغييري والتصحيحي للواقع والمجتمع.

وإذا أردنا أن نتذكر الانتفاضة فعلينا أن نتذكر قيم الثورة الحسينية؛ بوصفها المصنع الأساسي لهذه الانتفاضة في أدبياتها ومساراتها وأهدافها، وهي قيم عديدة جسدتها كربلاء بأجمل صور التضحية والفداء، من أبرزها:

١/ أن التخلف والحرمان والظلم والسكون في التدين والثقافة والوعي لا يمكن ان يعالج في ظل الاستسلام للسلطة المستبدة التي تحترف في صناعة الانحراف وأشكاله في الأمة، بل  نحتاج للعلاج إلى ما يغذينا بثقافة الإرادة والتحدي والقدرة على إعلان المفاصلة مع الظلم والرفض المطلق لمخالطته. فعاشوراء لو نقلناها بوعي وإدراك من حالة نظرية مجردة او منحى عاطفي صرف إلى واقع عملي يضخ بالروحية والوعي، وننصهر فيه بالقلب والوجدان لتحولت -جزما- كما أراد لها الحسين(ع) إلى روح نشيطة تمدنا بالثورة والنهوض والمواجهة لكل من يحرف الإنسان والأمة عن خط العبودية لله..

٢/ التضحية في معركة العزة والكرامة؛ لأن كرامة الإنسان في وسط وجود ثقافة التسلط والهيمنة سوف تُسرق وتُفقد.

التضحية في هذا السياق، تعني أولوية الأمة على الذات، وتعني أن تقدم كل جهودك وطاقاتك في سبيل تصحيح أوضاع الأمة، وتعني أن تتنازل عن كل شي في سبيل الكرامة الإنسانية التي تشكل جوهر الوجود البشري وحقيقته.

٣/ أخلاقية العطاء والاقدام، وهذا يعني أن نواجه أخلاقية الهزيمة النفسية أمام المغريات والمخاوف، ونكافح أزمة انهيار الإرادة، خصوصا في هذه المرحلة التي تكاثرت فيها مصالح الإنسان، وتعقدت علاقاته، وتشعبت مشتهياته وطموحاته، وتكالبت عليه أسباب الترهيب والتخويف. هذه الظاهرة المتغولة في المجتمع والمتضخمة في هواجسه تحتاج إلى شجاعة حسينية تمكنها من المواجهة والقدرة على تشخيص الأولويات الموافقة لإرادة الله لخليفته في أرضه…

٤/  التحلي بالروح الثورية في مواجهة تحديات الحياة ومعاركها، لأن الواقع الذي يكتض بالأصر والأغلال المانعة عن انعتاق الإنسان وانفلاته من براثن الاستسلام والخنوع، يحتاج إلى الإنسان الذي يتمتع بروح ثورية تنظر إلى أقصى القوم، ولا تقف عند الملهيات والهامشيات والتعقيدات، ولا تعترف بالثقافة المصلحية والبرجماتية؛ لتتحرك بإرادة حرة مقتحمة للواقع، ومنتفضة على معادلاته القائمة.

دور الجيل الحالي تجاه الانتفاضة

على الجيل الحالي من المكون الشيعي في المنطقة الشرقية أن يدرك أن هذه الانتفاضة كان لها دور تأسيسي في إعادة تكوين الحالة الشيعية الواعية والثورية، حيث منحتها ثقافة التضحية والبصيرة، ورح الثورة والشجاعة.

هذا الجيل عليه أن يعرف أن ما لديه من ثقافة ثورية وسياسية اليوم، هي نتاج متراكم انطلق من تلك الانتفاضة وملهمتها الروحية المعاصرة وهي ثورة الإمام الخميني(قده).

هذه الانتفاضة أولدت حركة إسلامية تهتم بالسياسية والاجتماع من منظور ديني، وتدافع عن الذات والهوية والوجود والحقوق والحريات، وتسجل مواقف نضالية حيال الأحداث والتطورات، وتبحث عن كل ما يتصل بذاتها وكرامتها.

وما يجدر الاشارة إليه أن هذه الانتفاضة وضعت الشيعة في طليعة رواد التغيير، وجعلتهم بوعيهم وتضحيتهم هم المستحقين لمخرجاته الإيجابية. فالشيعة اليوم تملك رقما لا يمكن تجاوزه من النظام، وهي لديها رصيد كبير من الوعي والتجربة والخبرة في ساحة السياسة والثورة.

أخيرا، على الجيل الحالي أن يتيقن أنه سنن الحياة والتاريخ تؤكد أنه من دون النهضة والقيام، فإن كرامتهم ستبقى مسروقة من النظام السعودي مادام يتنفس بروح الاستعباد، ويخضع لمشروع الاستكبار، وتجارب الحياة تكشف عن الحقوق تنزع بالمواجهة، والإرادة الإيمانية، والوعي الثوري المتوقد.


(1) حوار مرآة الجزيرة مع د. حمزة الحسن.

(2) ذمقالة بعنوان: ملاحظة سريعة حول الانتفاضة المغيبة.

(3) كتاب اضاءات في الفكر والدين والاجتماع، ماذا نستفيد بين يدي عاشوراء.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى