النشرةبارزدراسات وبحوث

“داعش من النجدي إلى البغدادي.. نوستالجيا الخلافة”.. عوامل نشأة التنظيم!

لاريب في وصم نظام آل سعود بالإرهاب، فهو صاحب إنشاء وتمويل ونشر الفكر الوهابي والترهيب في مختلف دول العالم. بالمال والسلاح والفكر المتطرف ينبع الترهيب “السعودي” في الداخل والخارج، ولعل تنظيم “داعش” وانتشار إجرامه ونشاطه الدموي في المنطقة لخير دليل على التمدد العقائدي لنشاط التكفير والإجرام والانتقام في المنطقة، وفي خضم ما تدعيه السلطة السعودية من مواجهة للفكر الإرهابي ودعواتها “لأرهبة” حركات المقاومة في اليمن وسورية ولبنان وفلسطين المحتلة ووسط مسارعتها لتطبيع العلاقات مع الصهيونية وما يدور في فلكها من تنظيمات إرهابية وهابية “القاعدة وداعش”، لا بد من الإضاءة على مؤلف يحكي تفاصيل النشأة الداعشية والدور الرسمي “السعودي” في تفعيله على أراضي العراق والمنطقة.

خاص – مرآة الجزيرة

“داعش من النجدي إلى البغدادي..نوستالجيا الخلافة”، مؤلف للباحث والكاتب السياسي الدكتور فؤاد إبراهيم، يمتد على قرابة 322 صفحة، مقسمة إلى مقدمة وستة فصول وكل فصل متفرع منه عدة عناوين أساسية تحكي تفاصيل التمدد الداعشي وكيفية الاندماج بينه وبين الإرهاب الوهابي والمفاهيم المندمجة بينهما والتي توضح مآلات تصنيف “تنظيم الدولة” وكيفية ارتباطه بالنهج الوهابي وكيف كان امتدادا له.

ينطلق الكاتب في مقدمة كتابه من تأسيس “داعش” وبدئه من العراق إبان الاجتياح وكيف تحسس “جمهور الناشطين وطلاب الحرية في المناطق السنية في العراق وبما يحملونه من مطالب مشروعة اقتصادية واجتماعية وسياسية بالإحباط الشديد لأن ثمة “عدواناً” آخر وقع عليهم نتيجة اختطاف تنظيم “داعش” لنضالهم السلمي المدني”، معرجا على دور القنوات الفضائية الخليجية في تعزيز المعادلة الميدانية على حساب الحراك الشعبي السلمي في المناطق السنية،ووصل إلى فكرة أن التنظيم برز بوصفه حبل نجاة ليس لسنة العراق فحسب بل ولعموم السنة في المنطقة، الأمر الذي فجر هواجس أمنية وسياسية إقليمية ودولية”.

يتابع الدكتور إبراهيم في مضمون المقدمة عن الارتباط الوهابي ويلفت إلى أن “احتفالية التيار الوهابي في المملكة السعودية، وبدرجة أقل تيارات أخرى سنيّة وإخوانية في الخليج على وجه الخصوص، بالاعلان عن سيطرة تنظيم «داعش» على محافظة الموصل العراقية في 10 حزيران ( يونيو ) 2014 حزمة أسئلة كبرى حول ما يمثّله التنظيم في الوعي الشعبي الوهابي، في الهوية الدينية، وفي التوقعات المعلنة والمضمرة لدى أتباع المذهب ولدى عموم السنّة”.

ينبه الكاتب إلى أن التنظيم لم يبرز “كظاهرة فكرية أو سياسية-اجتماعية طارئة أو عابرة، ولا أفكاره صنعت في غير أرض وإن الاكتشاف، بوقع الصاعقة، تمثّل في أن هذا التنظيم كان بمثابة السلالة النقيّة للجيل الوهابي المؤسس”، ويعتبر أن هذا الأمر ضمن حجم الخطورة فبما يحضر لمستقبل “السعودية” خاصة والمنطقة بشكل عام. ويلفت إلى حجم التداعيات، على الانطلاقة والارتباط بالوهابية ما جعل “المشروعية الدينية للدولة السعودية في موضع خطر جدّي، إذ لم تعد الوكيل الحصري للعقيدة الوهابية. ويتابع “إعلان الدولة الإسلامية يشي بنزع المشروعية وجدارة الاستمرار، وإن “داعش” أصبحت الوارث الشرعي للوهابية، الأمر الذي يعني أن السلطة السعودية، دون بقية الدول، المستهدف الأول لمشروع دولة الخلافة بقيادة أبي بكر البغدادي، الذي حقّق، بحسب متبنيات العقيدة الوهابية في ولي الأمر، العنصر المفقود في الأسرة المالكة في الجزيرة العربية، أي العنصر القرشي، وهو الذي يُنظَر اليه بكونه شرطاً جوهرياً، من وجهة نظر تيولوجيين إسلاميين”.

يحكي الكاتب السياسي عن تناول الإعلام الرسمي لإعلان عن التنظيم وكيف جرت مبايعته من قبل بعض أتباع الوهابية في “السعودية”، وكيف تناولها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وتحريف أحداث العراق لتظهر وكأنها “منازلة سنيّةـ شيعيّة”. ونتيجة مبايعة بعض الوهابيين في “السعودية للتنظيم يطرح الكاتب تساؤلا حول “علاقة «داعش» بالمملكة السعودية، وبأتباع المذهب الرسمي فيها؟”.

عوامل النشأة

وقبل الغوص في تفنيدات الارتباط الداعشي بالوهابية، يضيء د.إبراهيم على عوامل نشأة التنظيم الذي يعتبره أنه تمكن من لعب دور محوري في اختراق الوعي الشعبي الوهابي أولاً، والاسلامي السنّي ثانياً. ويلخص عوامل نشأته بعدة نقاط، أولها ما وصفه بـ”الحملة الإيمانية التي بدأت في نهاية التسعينيات من القرن الماضي بقرار من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وتزوّدنا مقالة الكاتبة والاعلامية السورية ثناء الإمام من بغداد والذي نشر قبل شهر من إعلان الحرب الأميركية على العراق في آذار (مارس) 2003 بمعطيات على درجة كبيرة من الأهمية حول انعكاسات الحملة الإيمانية على الشارع العراقي، سلّطت الإمام الضوء على انتشار «ظاهرتي التدين والتسلّح بين المواطنين العراقيين .. ». في الظاهرة الدينية، تتحدث الإمام عمّا يشبه الانقلاب في البنية السيكولوجية العراقية”. ويلفت إلى “مفاعيل ظاهرتي التدين والتسلّح بعد سقوط النظام بدأت بوتيرة مجنونة، إذ أخذت شكلاً دموياً غير مسبوق، وخلقت بيئة مؤاتية لتحالفات مجموعات دينية ومسلّحة، وصار الانخراط في التنظيمات السياسية يتم عبر البوابة الدينية، والطائفية بوجه الخصوص”.

ويلفت إلى أن العامل الثاني يتمثل بـ”التقاء مصالح فلول النظام العراقي السابق، والمشروع القاعدي العابر للحدود، والإحساس المستبد بالخسارة التاريخية للسلطة من قبل الأقلية السنيّة، فالإحباط الشديد الذي أصاب سنّة العراق إزاء ما تعرّضوا له من انتكاسة تاريخية بعد سقوط النظام وتداعياته اللاحقة دفع البعض منهم لناحية تبني خيارات راديكالية، إذ نجحت خطة الزرقاوي، جزئياً على الأٌقل، في إشعال نزاع طائفي سني شيعي وانعكاسه على أوضاع السنة في بعض المدن الكبرى والعاصمة على وجه التحديد”. وفي هذا العامل، يشير إلى أنه “رغم الحديث عن احتمالية الصدام بين أنصار النظام السابق والاسلاميين المحليين والأجانب، إلا أن «داعش» نجح، حتى الآن على الأقل، في أن يطمس الخلفيات الفكرية لقادته الكبار، وأن يتظاهر بعضهم بالتحوّل نحو الإسلام السلفي لتحقيق التوافق التنظيمي والانسجام الفكري داخل التنظيم”.

من عوامل النشأة أيضا، ما اعتبره أنه “فشل الدولة السنيّة وكذلك جماعات الإسلام السياسي في المجال السنّي بصورة عامة، وفي المجال السلفّي الوهابي بوجه خاص في صنع «نموذج » يعوّض الخسارة المعنوية التي تكبّدها على مدى عقود، وينسحب الفشل على تنظيم «القاعدة » في تحقيق اختراق من أي نوع في أي من الدول التي تواجد فيها”. فيما العامل الرابع تمثل بـ”الخطاب الجهادي الوهابي الجاذب لجماعات عديدة كانت تبحث عن خطاب تعويضي يرتكز على رؤية دينية مستمدة من مرجعية محدّدة ينتج فيها هويته، ورؤيته، ودوره، والعلاقة بين داعش والعقيدة الوهابية”.

وفي حين تمثل العامل الخامس في الضرب في الخواصر الضعيفة والرخوة، ففي العراق لعب على الورقة الطائفية، بوصفها ورقة رابحة في مشرق عربي منقسم على ذاته طائفياً وفي ظل انهيار أسس الدولة الوطنية وهنا اختار التنظيم مقاتلة الشيعة وليس القوات الأميركية، ما شجّع حكومات خليجية وكثيراً من المشايخ الوهابيين على دعمه وتمويله”. وعن العامل السادس فتمثل، بامتلاك التنظيم لإمكانيات ضخمة سواء عبر التبرعات التي حصل عليها رسمية أو شعبية من بلدان خليجية محدّدة (السعودية وقطر والكويت والامارات ) أو عبر السيطرة على مناطق استراتيجية تضم حقول نفط وغاز”. سابع العوامل، كان استغلال التنظيم “الانقسامات الداخلية والتناقضات الإقليمية والدولية، إن وجود انقسامات سياسية ودينية حادّة في العراق يمدّ في عمر «داعش »، ويعزّز من شعبيته، وإن صراعاً إقليمياً على مناطق النفوذ يوفر فرصاً ذهبية للتنظيم لتوظيفه لخدمة أهدافها عبر الانحياز لهذا الطرف وذاك”.

إلى ذلك، يلفت الكاتب إلى العامل الثامن للنشأة والمتمثل في “فشل أم تفشيل تجربة « الاعتدال السني » كان مسؤولاً عن ولادة تيارات راديكالية في العالم الاسلامي، كان سقوط تجربة حكم «الاخوان المسلمين » في مصر بفعل ارتكابات الجماعة القاتلة يضاف إليها مخطط إعادة انتاج النظام السابق بأموال سعودية إماراتية وتواطؤ من « العسكر » أسقط الامكانية النظرية لولادة بديل”.

هذا، وتمثل آخر عاملين أحدهم “العامل المذهبي” ، وهنا بعض ما جاء في كتاب إبراهيم “في حقيقة الأمر، أن حلم الفرد الوهابي في أن يكون الانتصار سنيّاً وليس شيعياً هو ما كان يكمن وراء تلك المواقف الراديكالية التي تبناها المشايخ والأتباع، لأن الانتصار زاد من شعبية حزب الله وأمينه العام حسن نصرالله على مستوى العالم العربي والإسلامي، وكانت الأزمة السورية بمثابة المكافأة التي انتظرها المجتمع الوهابي طويلاً كي يسحب الرصيد الشعبي من حزب الله”. أما عن عاشر عامل بلورة الباحث السياسي بما وصفه ب”انتكاسة خطاب العولمة كأحد تظهيرات الهيمنة الأميركية على العالم وعلى منطقة الشرق الأوسط بوجه الخصوص، بوصفها مركزاً حيوياً لمصالح الغرب”،ويلفت إلى أن التنظيم كرد فعل على الاحتلال العسكري الأميركي للعراق في إبريل 2003″.

في الحلقة المقبلة من قراءة كتاب “داعش من النجدي إلى البغدادي.. نوستالجيا الخلافة”، الفصل الأول الذي يتحدث عن “التحالف الملغوم: المذهب ضد الدولة”، ويعرج على رباعية الدعوة والأمير والشيخ والأنصار، وعلاقة الإخوان وابن سعود، وبروز الوهابية الدينية ضد الوهابية السياسية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى