النشرةبارزتحليلات

علماء “السعودية” في السياسة: تحريم كل ما لا يريده الملك!

مرآة الجزيرة

رغم جهود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بجعل البلاد أكثر انفتاحاً خلافاً عمّا سبق، ورغم تحجيم دور علماء البلاط، لا يخفي ذلك حالة العزلة عن العالم التي يمثلها رجال الدين التابعين للنظام السعودي والمطبلين له، ولقرارات الملك وولي عهده أياً تكن، سواء كان فيها المصلحة العامة للمجتمع أم لم يكن فيها. وما كان إعادة تشكيل “هيئة كبار العلماء” أواخر عام 2020، بعدما أقدم محمد بن سلمان على حلّها في ذروة حماسه لتبيض صورة بلاده لدى الغرب، إلا تأكيداً لواقع الزنا الذي حصل عام 1727 بين السلطة السياسية ممثلةً بمحمد بن سعود، والمؤسسة الدينية ممثلةً بمحمد بن عبد الوهاب ليتم إنجاب الوليد المسخ وهو “الدولة السعودية”.

أثناء بناء “الدولة السعودية” الثالثة، كان سعود ملمّاً بتاريخ قبيلته، وتتابع نسبها، وسيكولوجيا سكان الصحراء، وبدو الجزيرة العربية مدركاً لمصاعب السيطرة على البدو. لذا من أجل توسيع حكمه، بدأ في إحياء الوهابية، وتدمير النظام القبلي العشائري، وخلق مكانة الوعي بالرابطة القومية. على إثرها أنشأ مؤسسة دينية مقدسة تمدّه بدعم وتأييد المجتمع وبناء وعي جماعي واكتساب هوية عامة ترتبط بعلاقات المصاهرة معها لتوثيق روابط العائلة السعودية بالوهابيين. وقدّم عملاً تنظيمياً للسيطرة على المجتمع وإعداد قوات وجيش ملكي أتاح له توسيع نطاق حكمه. وبالتالي، برهن توظيف الأيديولوجيا الوهابية في إنجاح غزو الجزيرة العربية وسيطرة ابن سعود عليها. بل وتثبيت أركان الحكم السعودي.

رغم أن علماء الوهابية لم يدرسوا علوم السياسة ولم يطّلعوا على التجارب الديمقراطية ولا عاشوها في بلادهم ولكنهم مع ذلك مارسوا ولاية الأمر المطلقة وأفتوا بكل شيء، حتى ما كان خارج اختصاصهم. على سبيل المثال، عبّر موقف الشيخ صالح الفوزان، (عضو سابق هيئة كبار العلماء)، عن العقيدة السلفية في مبدأ التعيين، فحين سئل عن الإنتخابات قياساً على انتخاب الخليفة عثمان عن طريق الستة الشورى، أجاب: “انتخابات من أهل الحل والعقد نعم،من أهل الحل والعقد ما هي من الغوغاء والعامة وشراء الأصوات والفوضى، نعم العلماء والأمراء والقادة ووجهاء الأمة يختارون واحداً، هذا نظام الإسلام في الإنتخابات أما الفوضى والغوغاء والنساء والأطفال هذا نظام الغرب، نظام غربي”. هذه الفتوى كشفت عن موقف جازم من أصل مبدأ الإنتخابات باعتباره بدعة غربية، لا أساس شرعي لها، وتمثل الإلتزام الأمين بالخط السلفي الذي يقف أمام الإحداثات الجديدة التي لا أصل لها في الكتاب والسنّة، وسيرة الأولين من السلف الصالح.

كانت الفتاوى السياسية التي يصدرها علماء الوهابية في “السعودية” تثير جدلاً واسعاً كونها أعادت الدولة إلى الحقل الديني، وليس بوصفها ابتكاراً بشرياً لناحية تحقيق مصالح دنيوية محضة. وكان مثيراً أن تلتزم الجماعات السلفية في كل من الكويت والبحرين بفتاوى سياسية صادرة عن علماء الوهابية في “السعودية”. والمدهش أيضاً أنه حتى لو أفتى علماء الوهابية بالإنتخابات مثلاً فإنهم يحصرون الحق بيد السلطة الحاكمة دون سواها. فقد سبق وأصدر عدد من كبار العلماء فتاوى تجيز بل تحث على المشاركة والمنافسة السياسية في الإنتخابات التشريعية. مثلاً أجاز المفتي السابق الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ ناصر الدين الألباني المشاركة في الإنتخابات، ولكن من منظور عقدي، أي بنية توظيف الديمقراطية لخدمة العقيدة وفق المنظور الوهابي. ففي سؤال وجه للشيخ بن باز عن حكم الدخول في المجالس التشريعية أو مجلس الشعب (البرلمان)، فأجاب بأنه لا حرج في الإلتحاق بمجلس الشعب إذا كان القصد من ذلك تأييد الحق وعدم الموافقة على الباطل. وبالطبع لم يكن الحق هنا منفصلاً عن رؤية عقدية شديدة الخصوصية في العقل الوهابي.

في مراحل زمنية أقدم، تمتع أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بموقع مميز وسط العلماء. وقد أيّدوا الحكم السعودي وساندوه، فمثلاً، عبدالله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عمل في خدمة ثلاث حكام من آل سعود. وصاحب الإمام سعود في غزواته لمكة عام 1803، وأصدر كتيبات للدعاءة للمبادئ الوهابية، فيما عيّن ابنه سليمان قاضياً على مكة عام 1810. وهكذا نجد أن آل الشيخ قد أقرّوا بشرعية حكم آل سعود للمدن المقدسة بل وأدانوا خصوم آل سعود ومعارضيهم، واعتبروهم كفاراً. وأيضاً نصّب الإمام عبدالله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب قاضياً على الدرعية وعندما هاجمت قوات محمد مدينة الدرعية عام 1818، صاحب عبد الرحمن الإمام عبدالله في المعركة ضد الجيش المصري وحمل أسيراً إلى مصر.

الجدير بالذكر هنا، الفروقات التاريخية التي حكمت أوضاع العلماء في نجد والحجاز، لناحية الخلفيات الإجتماعية، وأيضاً خلفياتهم التعليمية ورؤاهم الكونية. الإختلافات تأثرت بالتفاوت السائد بين المنطقتين على المستويين الإجتماعي والسياسي، ففي حين كان مجتمع نجد معظمه قبلي عشائري، كانت المدن الحجازية متمدنة، وذات رؤى حضارية، وكانت سلطتها متمركزة في مكة، والمدينة، وجدة، وخضعت دائماً للمؤثرات الثقافية الوافدة عليها. من الناحية الإقتصادية، كانت الحجاز مزدهرة بالمقارنة مع إقليم نجد الفقير والواقع تحت حكم آل سعود، ففي كل عام كان يأتي وفود الحجاج الذين يعملون كوسائل اتصال حضاري وثقافي مع العالم الخارجي. وبسبب هذا الإنفتاح الحضاري، أصبح الحجاز وعلماؤه أقل تشدّداً في أحكامهم من نظرائهم في نجد. إذ يلاحظ أن علماء الحجاز اهتموا بتفسير القرآن، السنة النبوية، النحو العربي، البلاغة وعلم العروض، المنطق، والفلسفة. على الجانب الآخر، حصر علماء نجد اهتمامهم بدراسة مبادئ الوهابية، والفقه الحنبلي.


المصادر:

كتاب ملوك وأمراء الدولة والدين في السعودية

كتاب العقيدة والسياسة في السعودية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى